image_pdfimage_print

كما تمت الإشارة إليه في مقالاتنا السابقة، فالهدف الأساسي إضافة لفهم فلسفة المادة و تكويناتها، هو تحقيق غاية الاغتناء عن طريق تحويل المعادن البخسة إلى أخرى نفيسة. فعلى مرور الأزمنة و العصور، و قبل ظهور الخيمياء، كانت هناك العديد من المهن الحرفية التي تتطلب درجات متفاوتة من المعرفة التجريبية، و التي تشمل صباغة العطور و الزجاج و الخزف و الأصباغ و الدهانات. وقد كانت الحرف التي مارسها الجوهريون و المعدنيون لمحاكاة المواد الخالصة كالذهب و الفضة و الأحجار الكريمة و اللآليء، هي الأكثر ٱتصالا بالموضوع الذي نحن بصدد الخوض فيه. ولتحقيق ذلك الغرض كانت هناك طريقتان اثنتان متبعتان للحصول على بريق الذهب، اما تقليده أو صناعته عن طريق التحويل.
Gold
فتقليد الذهب غالبا ما كان يتم عن طريق تخفيف نسبته و تحويلها بمواد أخرى كالقصدير أو النحاس، أو بترصيع سطح مثل هذه السبائك المحتوية على الذهب، أو بترسيب أغشية (رقائق) سطحية بألوان مناسبة تنتج بتعريض الفلز لأبخرة الكبريت أو الزئبق أو الزرنيخ أو مركبات تحتوي على هذه العناصر. وفي هذه الحالة، فقضية غش الزبون لم تكن جوهرية لأنه قد يكون قانعا تماما بمنتج ٱصطناعي ذي مظهر مشابه للذهب.

إلا أن الصانع الماهر كان مدركا تماما أن منتجه لن يقاوم ما كان يعرف ب “ٱمتحان البوتقة” القديم، حيث يتم في هذا الاختبار تسخين الذهب (مع الفلزات الأخرى أو بدونها)، مع الرصاص في وعاء مصنوع من رماد العظام المحروقة. حيث يتكون أكسيد الرصاص، كما تتكون أكسيدات أخرى عندما يتم رفع درجة الحرارة، فتنفصل جميعها مع أي شوائب، نافذة إلى الرماد المسامي، حيث تطفؤ بالأدخنة الى أن تبقى كتلة صلبة أو كرة صغيرة من الذهب. ٱختبار البوتقة لا يفصل الذهب و الفضة، و لكن ذلك يتم تحقيقه باستعمال طريقة قديمة تسمى “الفصل الجاف”، و التي عُرف الهلنسيتيون بإتقانها.

أما بخصوص صنع الذهب عن طريق تحويل المعادن البخسة، فقد تمت الإشارة في المقال السابق إلى النظرية التي طُوِرت خصيصا لهذا الغرض، ويتعلق الأمر بنظرية العناصر الأربعة. فمن خلال هذه النظرية، من الممكن تحويل المعادن عموما، على ٱعتبار أنها تتكون أساسا من التراب و الماء و النار و الهواء، إلى الذهب الذي بدوره يتكون من نفس المكونات و لكن بنسب مختلفة. و تحقيق هذا التحول يتم فقط إن عُرفت نسب العناصر الأربعة في كل من الذهب و المعدن الذي يُراد تحويله.

بيد أن نظرية صنع الذهب ظلت حبيسة الأسطورة على ٱعتبار أنها لم تتحقق رغم كثافة الأبحاث و المجهودات التي بذلت لتحقيق هذا الغرض. فهذه الطرق المتبعة لم يعرف الكثير عنها بسبب ما يحيط الموضوع من سرية، إضافة إلى صعوبة الاطلاع على الكتابات المتوفرة في هذا الباب، نظرا لاستخدام ما تمت الإشارة إليه من قبل (تشبيهات و عبارات و رموز) يستعصي فكها، إن كان ذلك عمدا قصد إخفاء المعنى الحقيقي، أو لأنها كانت تحرر من طرف خيميائيين مبتدئين.

موازاة مع الغاية الأساسية للخيمياء في تحقيق الاغتناء و ذلك بالوصول إلى المعادن النفيسة، فالخيميائيون يعتقدون أن تحقيق الغنى وحده لا يكفي في ظل محدودية عمر الإنسان، حيث فكروا بالموازاة مع ذلك في العمل على اكتشاف مطيلات للعمر أو ما يعرف ب “إكسير الحياة”، و هذا ما سنتطرق إليه في المقال المقبل بمشيئة الله.

اعداد : محمد ماخا / تدقيق لغوي : مريم السهلاوي

 


الكاتب: محمد ماخا