image_pdfimage_print

كثير من الطفرات الوراثية التي أصابت الصبغات البصرية وانتشرت عبر ملايين السنين كانت ضرورية لتطور الانسان من ثديي بدائي برؤية باهتة ومظللة للعالم إلى كائن قادر على على رؤية جميع ألوان الطيف. الآن وبعد أكثر من عقدين من الأبحاث الجادة أتم الباحثون صورة كاملة ومفصلة لتطور رؤية الانسان للألوان.

ترجمة: محمد أيت بهي / التدقيق اللغوي: علي توعدي

تطور الرؤية عند الانسان

نشرت دورية (PLOS Genetics) القطعة الأخيرة للصورة: العملية التي انتقل بها الإنسان من الرؤية في الأشعة فوق البنفسجية إلى الرؤية في الأشعة البنفسجية، أي القدرة على رؤية الضوء الأزرق.

يقول مؤلف الدراسة، (Shozo Yokoyama)، وهو عالم أحياء من جامعة (Emory): “لقد أعدنا رسم المسار التطوري الذي يعود لأكثر من 90 مليون سنة، والذي قاد لرؤية الإنسان للألوان”. ويضيف: “فسرنا المسارات الجزيئية على المستوى الكيميائي والوراثي والوظيفي”.

عمل (Yokoyama) ومجموعة من المتعاونين على مدى سنوات على فهم أسرار التطور المتكيف للرؤية عند الإنسان وفقريات أخرى، وذلك بدراسة جزيئات متوارثة. وتتضمن العملية في البداية تقدير وتركيب بروتينات متوارثة وصبغات لنوع معين من الكائنات، ثم اجراء تجارب عليها. تجمع هذه التقنية بين علم الجراثيم والبيوفيزياء والكيمياء الكمية والهندسة الوراثية.

تتحكم خمسة أصناف من المورثات في تركيب الصبغات البصرية “الأوبسين” الخاصة بالرؤية في الضوء الخافت والألوان، كما تتغير مورثات الأوبسين. وهكذا تتأقلم الرؤية مع تغيرات وسط عيش النوع.

قبل 90 مليون سنة كانت أسلافنا الثديية تنشط ليلا وحساسة للأشعة فوق البنفسجية والأشعة الحمراء، وهو ما أعطاها رؤية ثنائية اللون للعالم. وقبل 30 مليون سنة طور أسلافنا 4 أصناف من المورثات الرامزة للأوبسين، الشيء الذي مكنها من القدرة على رؤية طيف الضوء المرئي كاملا باستثناء الأشعة فوق البنفسجية.

وقد ركز الباحثون في هذا البحث على سبع طفرات وراثية متدخلة في فقدان الرؤية في الأشعة فوق البنفسجية والوصول للوظيفة الحالية للصبغات الحساسة للأزرق، وتتبعوا هذا التطور قبل 90  إلى 30 مليون سنة.

حدد الباحثون 5040 مسارا لتغيرات الأحماض الأمينية الضرورية لحدوث التغير الوراثي. ويقول (Yokoyama): “قمنا بتجارب على جميع هذه الاحتمالات ووجدنا أن كل واحدة من الطفرات السبع لوحدها ليس لها أي تأثير، ويحصل هذا الأخير فقط عندما تجتمع هذه التغيرات بترتيب معين”. بعبارة أخرى فكما يحرك محيط الحيوان الانتقاء الطبيعي، كذلك تفعل التغيرات في المحيط الجزيئي للحيوان.

بين (Yokoyama) في دراسة سابقة أن سمكة الغمد (scabbardfish)، والتي تقضي معظم حياتها في عمق بين 25 و 100 متر، احتاجت لطفرة وراثية واحدة فقط للانتقال من الرؤية في الأشعة فوق البنفسجية إلى الرؤية في الضوء الأزرق. بالمقابل، احتاج أسلاف الإنسان لسبع طفرات انتشرت خلال ملايين السنين. ويقول (Yokoyama) بهذا الصدد إن تطور رؤية أسلافنا كانت بطيئة جدا مقارنة مع هذه الأسماك، ربما لأن بيئته تغيرت بشطل أبطأ بكثير.

حوالي 80% من المسارات المدروسة من طرف الباحثين توقفت في منتصف الطريق لأن بروتينا أصبح غير فعال. تمكن الكيميائي (Ahmet Altun) من تحديد السبب، حيث يحتاج البروتين للماء، وإذا ما حدثت إحدى الطفرات قبل الأخرى فهذا يسد القناتين المائيتين الممتدتين عبر غشاء الصبغات البصرية.

يقول Yokoyama إن ال 20% المتبقية هي مسارات ممكنة، لكن أسلافنا استعملوا واحدا فقط، وقد تمكنا من تحديده.

في سنة 1990 حدد (Yokoyama) التغييرات الثلاثة في الأحماض الأمينية التي أدت بأسلاف الإنسان لتطوير صبغات حساسة للأخضر. وفي 2008 قاد جهودا لإنشاء أكبر شجرة تطورية للرؤية في الضوء الخافت تتضمن حيوانات من ثعابين الماء إلى الإنسان.

أتمت هذه الدراسة مشروع تطور الرؤية عند الانسان. ويقول (Yokoyama) إنه لم يعد هناك غموض في الآليات المتدخلة في هذا المسار التطوري.

المصدر: Sciencedaily

 


الكاتب: محمد أيت بهي